محمد حسين هيكل
270
حياة محمد ( ص )
أن ينحازوا إلى قمم حنين وعند مضيق الوادي ؛ فإذا نزل المسلمون وادية فليشدّوا عليهم شدّة رجل واحد تضعضع صفوفهم ، فيختلط حابلهم بابلهم ويضرب بعضهم بعضا ، وتدور عليهم الهزيمة ، ويزول أثر انتصارهم حين فتحوا مكة ، ويبقى لقبائل حنين في بلاد العرب جميعا فخار النصر على هذه القوّة التي تريد أن تظلّ بسلطانها بلاد العرب جميعا . وامتثلت القبائل أمر مالك وتحصّنت بمضيق الوادي . مسيرة المسلمين إلى حنين أمّا المسلمون فبادروا بعد أسبوعين من مقامهم بمكة وعلى رأسهم محمد في عدّة وعديد لم يكن لهم من قبل بها عهد قط . ساروا في اثني عشر ألفا من المقاتلين ، منهم عشرة آلاف هم الذين غزوا مكة وفتحوها ، وألفان ممن أسلم من قريش ، وبينهم أبو سفيان بن حرب ، وكلهم تلمع دروعهم ، وفي مقدّمتهم الفرسان والإبل تحمل الميرة والذخيرة . سار المسلمون في هذا الجيش الذي لم تعرف بلاد العرب من قبل مثاله ، يتقدّم كلّ قبيلة علمها وتمتلئ النفوس كلها إعجابا بهذه الكثرة ، وبأن لا غالب اليوم لها ؛ حتى لقد تحدّث بعضهم بذلك إلى بعض وجعلوا يقولون : لن تغلب اليوم لكثرتنا . وبلغوا حنينا والمساء يقبل ، فنزلوا على أبواب واديها وأقاموا بها حتى بكرة الفجر . هنالك تحرّك الجيش ، وركب محمد بغلته البيضاء في مؤخّرته ، على حين سار خالد بن الوليد على رأس بني سليم في المقدّمة ، وانحدروا من مضيق حنين في واد من أودية تهامة . وإنهم لكذلك منحطّون إلى الوادي إذ شدّت عليهم القبائل بإمرة مالك بن عوف شدّة رجل واحد وأصلوهم وابلا من النبال وهم جميعا ما يزالون في عماية الفجر . إذ ذاك اختلط أمر المسلمين واضطرب ، وعادوا منهزمين قد أخذ الخوف والفزع منهم كل مأخذ ، حتى أطلق بعضهم ساقية للريح ، وحتى قال أبو سفيان بن حرب وعلى شفته ابتسامة المغتبط لفشل أولئك الذين انتصروا بالأمس على قريش : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة : اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قد قتل في غزوة أحد . وقال كلدة بن حنبل : ألا بطل السحر اليوم ! فردّ عليه أخوه صفوان : اسكت فض اللّه فاك ! فو اللّه لأن يربّني « 1 » رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن . تقع هذه الأحاديث والجيش يختلط حابله بنابله والنبيّ في المؤخرّة تمرّ عليه القبائل واحدة بعد الآخرى مهزومة لا تلوي على شيء . ثبات محمد وقوة عزيمته ماذا تراه يصنع ؟ أفتضيع تضحيات عشرين سنة في هذه اللحظة من عماية الصبح ؟ أفتنحى عنه ربّه وتخلى عنه نصر اللّه إياه ؟ ! كلا ! كلا ! لن يكون هذا ! دون هذا تبيد أمم وتفنى أقوام ! ودون هذا الموت يدخل محمد في غماره لعل في الموت لدين اللّه نصرا . وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وثبت محمد مكانه ، وأحاط به جماعة من المهاجرين والأنصار ومعه أهل بيته ، وجعل ينادي في الناس إذ يمرون به منهزمين : أين أيها الناس ! أين ! لكن الناس كانوا فيما هم فيه من هول الفزع لا يسمعون إلى شيء ولا يدور بتصوّرهم إلا هوازن وثقيف منحدرتين من معتصمهما بالقمم تطاردانهم حتى تأتيا عليهم . ولم يخطئ تصورّهم ؛ فقد انحدرت هوازن من مكانها يتقدّمها رجل على جمل له أحمر ، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل ، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه ، وهوازن وثقيف وأنصارهما منحدرون من ورائه يطعنون . وثارت بمحمد حميّته ، فأراد أن يندفع ببغلته البيضاء في صدر هذا السيل الدافع من رجال العدوّ ، وليكن بعد ذلك أمر اللّه . لكنّ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أمسك بخطام بغلته وحال دون تقدّمها .
--> ( 1 ) ربه : ملكه وساسه .